تقنية التكييف في الترجمة

تقنية التكييف في الترجمة: أهميتها وأنواعها وأمثلة شارحة


تقنية التكييف أو التصرف (Adaptation) في الترجمة هي تعويض عنصر ثقافي في النص الأصلي بعنصر ثقافي آخر ملائم في اللغة الهدف. وهو ما يجعل النص المترجَم أكثر ألفة وأسهل فهما للمتلقي. فهي تقنية يلجأ إليها المترجم لإيجاد موقف مكافئ في الثقافة المنقول إليها لموقف تنفرد به الثقافة الأصلية. ويعمد من خلالها إلى ملء الثغرات الناجمة عن اختلاف الثقافتين وذلك عن طريق نقل السياق الوارد وفق ما سيستوعبه المتلقي في ثقافة ولغة مختلفتين.

وصنف فيناي وداربلني تقنية التكييف في المرتبة السابعة في قائمة تقنيات الترجمة السبع. وهي -حسب تعريفهما- إجراءٌ يمكن توظيفه في حالة غياب السياق الموجود في النص الأصلي في الثقافة المنقول إليها، مما يستلزم في هذه الحالة إعادة ابتكار سياق جديد. ويعد التكييف إحدى تقنيات الترجمة غير المباشرة وآخر ما ينبغي أن يلجأ إليه المترجم. وسنذكّر أولا بتقنيات الترجمة السبع تلك قبل التطرق إلى تقنية التكييف بالتفصيل.

أولا- أصناف تقنيات الترجمة

1) تقنيات الترجمة المباشرة:

2) تقنيات الترجمة غير المباشرة:

ثانيا- لماذا تُستخدم تقنية التكييف في الترجمة؟

تُستخدم تقنية التكييف في الترجمة كحلٍّ لإحدى المشكلات المطروحة في الترجمة. وقد تُطبق على أجزاء متفرقة من النص لتجاوز الفروق على مستوى اللغة أو الثقافة بين النصين. ولا تشمل بالضرورة النص كاملا. وتتضمن تلك المشكلات عدم وجود مقابلات معجمية في اللغة الهدف. ويلجأ المترجم أيضا إلى تقنية التكييف عندما يكون السياق أو الآراء المشار إليها في النص الأصلي غير موجودة أو لا تنطبق على الثقافة المنقول إليها. إضافةً إلى ذلك، قد يستعين المترجم بتقنية التكييف عندما يتغير نوع الخطاب أو المخاطَب مثل استهداف فئة عمرية مختلفة عن الأصل. وهو ما قد يضطر المترجم إلى تعديل الأسلوب والمحتوى.

وقد تؤدي هذه الأسباب إلى نوعين أساسيين من التكييف: التكييف المحلي والتكييف الشامل. فالتكييف المحلي يُستخدم عندما تواجه المترجمَ مشكلاتٌ عند ترجمة أجزاء محددة من النص الأصلي مثل عدم وجود مقابلات معجمية بسبب اختلاف الثقافتين. وأما التكييف الشامل، فيلجأ إليه المترجم بسبب عوامل خارجة عن النص.

ثالثا- ما الفرق بين التكييف الشامل والتكييف المحلي؟

لا بد من التمييز بين تقنية التكييف باعتبارها إحدى تقنيات الترجمة السبع من جهة، وعملية تكييف الأعمال الأصلية كاملة من خلال إعادة أقلمة النص الأصلي مثل النصوص الدرامية أو الاقتباسات المسرحية أو الإشهار من جهة أخرى. فالنوع الأول (أي تقنية التكييف) تكييفٌ محليٌّ يُستخدم لتحقيق التكافؤ عند وجود اختلافات ثقافية بين النصين. وأما النوع الثاني (أي تكييف الأعمال الأصلية كاملة) فينطبق عليه التكييف الشامل. وفيما يلي شرح مفصل لهما:

1) التكييف الشامل

هو شكل من أشكال الترجمة يُطبق على النص ككل بناءً على ما تقتضيه وظيفة النص ونمطه والجمهور المستهدف. وقد يقع على عاتق المترجم بنفسه اتخاذ قرار اعتماد التكييف الشامل أو تفرضه عليه جهات أخرى مثل سياسة تحرير الناشر. وفي الحالتين، يشكل التكييف الشامل استراتيجيةً عامةً تروم إعادة صياغة غرض النص الأصلي أو وظيفته أو أثره. وقد يضحي المترجم بالعناصر الشكلية وحتى بأجزاء من المعنى بهدف الحفاظ على وظيفة الأصل. ويرتبط هذا النوع من التكييف بوجه خاص بترجمة الإعلانات والترجمة السمعية البصرية أو الأعمال السينمائية والتوطين وأدب الطفل.

2) التكييف المحلي أو تقنية التكييف

هو تطبيق التكييف على أجزاء معزولة من النص للتعامل مع اختلافات محددة بين لغة أو ثقافة النص المصدر ولغة أو ثقافة النص الهدف. وفي هذه الحالة، سيكون لتوظيف تقنية التكييف تأثيرٌ محدود على النص ككل، شريطة الحفاظ على اتساق النص عموما. فهي لا تشمل النص بأكمله على اعتبار أنها إجراءٌ محلي. ولا يُشار عموما إلى التكييف المحلي في توطئة المادة المترجمة أو مقدمة المترجم، على خلاف التكييف الشامل.

رابعا- إجراءات التكييف في الترجمة

يتّبع المترجم مجموعةً من التغييرات عند لجوئه إلى التكييف في الترجمة للحصول على نص مقبول ثقافيا ولغويا لدى القارئ المستهدَف. ويمكن تصنيف الإجراءات المُستخدمة في التكييف على النحو التالي:

  • الحذف: أي عدم ترجمة جزء من الأصل أو نقل المعنى ضمنيا سواء كان عبارة عن ألفاظ أو عبارات أو فقرات بأكملها.
  • الإضافة: أي زيادة معلومات لا توجد في الأصل من خلال التصريح والإضافة في النص أو عن طريق الحواشي والفهارس (مثال: الشرح، الوصف، التعريف بأسماء الأعلام).
  • التبديل: استبدال كلمات عامية أو بلا معنى لقارئ اللغة المنقول إليها واردة في النص الأصلي بما يكافئها في اللغة المنقول إليها ولا يتطابق بالضرورة معها.
  • التحيين: استبدال معلومات قديمة أو غامضة بمقابلات حديثة.
  • الملاءمة الثقافية: وضع سياق جديد أكثر ملاءمة أو مقبول ثقافيا من منظور القارئ المستهدف.

خامسا- أنواع التكييف

قسّم الدكتورُ طارق علي في مقاله التكييفَ إلى أربعة أنواع على النحو التالي:

أ) تكييف المتلازمات اللفظية:

أي استخدام مجموعة ثابتة من الكلمات تحمل معنى خاصا بحيث يقترن استخدام كلمة في اللغة بكلمة أو كلمات أخرى. مثال: play a role > اضطلع بدور أو أدى دورا (بدل لعب دورا)؛ the tip of the iceberg > غيض من فيض.

اقرأ أيضا: 10 أخطاء شائعة في الترجمة إلى اللغة العربية

ب) التكييف الثقافي:

أي جعل النص المُترجَم ملائما لثقافة القارئ المستهدَف بمراعاتها عند اختيار المقابلات. وهو ما يحدث عند ترجمة مثلا الخمر بلفظ كأس من العصير في ترجمة الأفلام. وعليه، يحتاج المترجم إلى التكييف الثقافي عند تعامله مع الرموز الثقافية التي تختلف من مجتمع إلى آخر مثل البقرة التي تقدّسها الثقافة الهندوسية على خلاف المجتمعات الأخرى.

ج) التكييف الأدبي:

يُستخدم عند ترجمة الكتابات الأدبية بسبب الاختلافات الثقافية مثل الروايات والقصص القصيرة. فعلى سبيل المثال، تُرجم عنوان رواية The Old Man and the Sea بعبارة “الشيخ والبحر” بدل الترجمة الحرفية “العجوز والبحر” لما يعكسه لفظ “الشيخ” من معاني تحيل على شخصية بطل الرواية من خبرة وإيمان وعزيمة.

د) التكييف الأيديولوجي:

يقصد الباحث في مقاله بالتكييف الأيديولوجي المواضيع الجنسية والدينية. فعدم استخدام المترجم المقابلات المناسبة قد يجعله متهما بالانحلال الأخلاقي. لذلك، يرى الباحث بأن المترجم في هذه الحالة إما قد يحذف المشهد الجنسي الوارد في النص الأصلي أو يختصره هروبًا من الرقابة أو تفاديًا لإغضاب القارئ العربي. والأمر ذاته ينطبق على الجانب الديني عند استخدام ألفاظ غير لائقة عند الحديث مثلا عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بحيث تؤجج تلك الألفاظ غضب المسلمين.

سادسا- أمثلة شارحة لتقنية التكييف:

  • Once there was a little pig > كان هناك أرنب صغير

(استبدل المترجم هنا لفظ خنزير بالأرنب نظرا إلى حمولته الثقافية المرتبطة بتحريمه واعتباره مصدرا للأذى ورمزا لعدم الطهر)

  • I welcomed my guests and gave them a glass of whiskey > استقبلت ضيوفي بحفاوة مقدما لهم كوبا من الشاي

(بما أن هذه الترجمة موجهةٌ لجمهورٍ ذي ثقافة عربية إسلامية، احتاج المترجم إلى تكييفها لتناسبه.)

  • dry cow > بقرة توقفت عن در الحليب

(إذا تُرجمت بعبارة بقرة جافة، فلن تعني شيئا للقارئ العربي سواء في لغته أو ثقافته)

  • He kissed his daughter on her mouth > قبّل ابنته على جبينها

(يستخدم الرجل الإنجليزي هذه العبارة للتعبير عن حبه العميق لابنته بعد طول فراق. وهو يعبّر عن اشتياقه لها دون أن يجد في ذلك ضررا أو حرجا. ولكن ذلك لا ينسجم مع آداب المجتمع العربي وثقافته. ولذلك، لا بد من استبدال تلك العبارة بما يلائم ذوق المتلقي العربي).

  • شهية طيبة > —1

(لا تملك اللغة الإنجليزية مقابلا وظيفيا لعبارة “شهية طيبة”. وقد يكون السكوتُ المكافئَ الأنسب لأنه السلوك المتعارف عليه في ذلك الموقف، على الرغم من اقتراض عبارة bon appétit من اللغة الفرنسية.)

  • Heaven knows >علمه عند ربي

(أخضع المترجم الترجمة للثقافة العربية الإسلامية لأن معرفة الغيب خاصة بالله عز وجل دون غيره.)

  • You want a handsome dog who can make you a devilish good speech > تريدون فرخا حسنًا يحسن أن يلقي لكم خطبة متقنة غاية الإتقان

(كلمة “كلب” في الثقافة الغربية تحيل على الوفاء والإخلاص. ولكنها في الثقافة العربية رمزٌ للدناءة والاحتقار. لذلك اختار المترجم كلمة “فرخ” لأنه لا يؤذي ويشير إلى البراءة.)

خاتمة

وختاما، تُبرز تقنية التكييف في الترجمة أهمية دور المترجم الذي يبدع في إيجاد حلولٍ لغوية في إطار ثقافي لتمكين التواصل بين الكاتب والقارئ. فاعتماد تقنية التكييف في الترجمة لا يقتصر على إتقان اللغة، بل يحتاج أيضا إلى الإلمام بالثقافة المنقول منها وإليها إلماما تامًّا والقدرة على تحليل المعنى وغاية النص لتلائم الترجمةُ الجمهورَ المستهدفَ.

المصادر:

.154-171 ,Amina, R. & Mohamed Cherif, B. H. (2019). Adaptation in the translation documentaries. Journal of Translation and Languages

.Bastin, G. L. (2019). Adaptation. Routledge Encyclopedia of Translation Studies

Khazrouni, M. (2017). Adaptation in Translation: Howells’s short Story “Christmas Every Day”. Arab World English Journal

 Assaqaf, T. A. E. (2014). Adaptation as a Means of Translation. International Journal of Science and Research

منصر، عبده احمد علي. (2009). تقنيات ترجمة النص الأدبي من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية.


اترك تعليقاً