الأفلام عن الترجمة

لماذا تخلط الأفلام السينمائية بين المترجم التحريري والشفوي؟


يعد الفن السابع وسيلة جيدة للتعرف على مهن نكاد لا نعرف عنها شيئا. وقد سلطت السينما الضوء على مهنة المترجم التحريري في عدد قليل جدا من الأفلام. ومع أن الترجمة إحدى أقدم المهن في العالم، إلا أنها لم تحظ بالاهتمام اللازم من صناع السينما على نحو يبدد العديد من المغالطات المنتشرة عنها. ولكن نجد في تصنيف الأفلام عن الترجمة خلطا بين مهنة المترجم التحريري والشفوي. فما الفرق بينهما؟ 

1) ما الفرق بين المترجم التحريري والمترجم الشفوي؟

لا بد عند مشاهدة الأفلام عن الترجمة التمييز بين الترجمة التحريرية والترجمة الشفوية. فالمترجم التحريري هو الشخص الذي ينقل النص كتابةً من لغة إلى أخرى. وتنقسم الترجمة التحريرية إلى عدة أنواع منها الترجمة القانونية والاقتصادية والطبية والمالية وغيرها. وأما المترجم الشفوي فينقل الحديث الشفوي في وقت التحدث من لغة إلى أخرى. وتنقسم الترجمة الشفوية إلى أنواع منها الترجمة التتبعية والفورية والمهموسة وغيرها. ويمكن أن ينقل المترجم الشفوي أيضا النص المكتوب من لغة إلى أخرى شفهيا من خلال الترجمة المنظورة (أحد أنواع الترجمة الشفوية). ومن ثم فإن الترجمة التحريرية والترجمة الشفوية تخصصان مختلفان لا توجد لأحدهما الأفضلية على الآخر كما يعتقد البعض.

2) أفلام تخلط بين المترجم التحريري والمترجم الفوري

عندما تصنف بعض المقالات الأفلام المتعلقة بمجال الترجمة، فإنها تعرض في أحيان كثيرة أي فيلم وردت في عنوانه كلمة ترجمة. وبالمثل، خلطت بعض الأفلام بين دور المترجم الشفوي والمترجم التحريري. فمثلا يحمل فيلم سوري عنوان “المترجم” وتُرجم في الملصق The Translator. ولكن بداية الأحداث تحيل على مهنة المترجم الشفوي. وبالتالي، كان من الأجدر تعديل ترجمته ليناسب دور البطل.

وفي أحيان أخرى، يكون عنوان الفيلم الذي يحمل اسم الترجمة مضللا حينما يتطرق إلى اختلاف الثقافات أو تعلّم اللغات وليس الترجمة في حد ذاتها مثل فيلم Lost in translation أو Love in Translation. وينطبق الأمر نفسه على الفيلم الكوبي Un Traductor الذي صدر في عام 2018، حيث وجد البطل أستاذ الأدب الروسي نفسه بين عشية وضحاها مترجما فوريا لأطباء مع مرضاهم. ومع أن الفيلم قد يصنف في قائمة الأفلام عن الترجمة بناءً على عنوانه، فإنه يركز على الجانب الإنساني لضحايا كارثة تشيرنوبل في كوبا.

وفي أفلام أخرى مثل الفيلم الكرتوني “أطلانتس: الإمبراطورية المفقودة”، كانت الترجمة الوسيلة التي يعتمدها البطل لحل اللغز وإنجاز مهمته بنجاحٍ. فالبطل لغوي وعالم خرائط يكتشف مكان إمبراطورية مفقودة بعد ترجمته خطاطة قديمة تصف إحداثياتها. ويؤدي أيضا دورَ المترجم الفوري بين طاقم الاستكشاف الذي يرافقه وسكان الإمبراطورية. ثم يساعد ملكة إمبراطورية أطلانتس في ترجمة كتاباتٍ لتعود الإمبراطورية إلى سابق عهدها. ومن ثم يُصنف هذا الفيلم ضمن الأفلام التي تناولت عمل المترجم نظرا إلى أن البطل يجيد اللغات القديمة وقادر على ترجمة المخطوط الذي يضم معلومات ستقود فريق البحث إلى مكان وجود إمبراطورية أطلانتس. 

وتعزز هذه الأفلام عددا من الصور النمطية السائدة التي تخلط بين عمل المترجم التحريري والفوري. وفي المقابل، أبرز فيلم “المترجمون” (Les Traducteurs) بعض جوانب مهنة المترجم التحريري ولم يكن فيها خلط بين المهنتين من خلال حبكة شيقة تحيل على نمط روايات أغاتا كريستي.

3) فيلم المترجمون: فيلم شيق أبطاله مترجمون

فيلم المترجمون
ملصق فيلم “المترجمون”؛ المصدر: cinelucarne.ch

فيلم فرنسي تشويقي أُنتج في عام 2019 ويحكي قصة تسعة مترجمين يجتمعون في مكان واحد مغلق لترجمة أحد أكثر الكتب مبيعا. وتعاقدت دار نشر مع هؤلاء المترجمين لإصدار الكتاب بتسع لغات مختلفة بناءً على البلدان التي عرفت أكبر نسبة مبيعات في العالم للجزأين الأول والثاني. فكل مترجم مكلف بترجمة الكتاب من الفرنسية إلى لغته الأم، الإنجليزية والروسية والإيطالية والدنماركية والإسبانية والألمانية والصينية والبرتغالية واليونانية. ولعل هذا الفيلم من الأفلام القليلة جدا التي تتطرق ولو بشكل بسيط للتحديات التي يواجهها المترجم التحريري في عمله. فأغلب الأفلام عن المترجم التحريري يكون فيها التركيز بعيدا عن وظيفة المترجم التحريري وتحدياتها. 

ووُضع المترجمون في مكان شديد الحراسة لكي لا يتسرب العمل خلال ترجمة الكتاب الذي بيعت ملايين النسخ من جزأيه الأولين حول العالم. ويُفترض إتمام العمل في غضون شهرين لإصدار الترجمات في وقت واحد. ولذلك، أُخضع المترجمون لظروف قاسية وحراسة مشددة تحول دون تسريب الرواية. ولكن تسريب الصفحات العشر الأولى للرواية الأصلية ونشرها على شبكة الإنترنت يثير حفيظة الناشر. ويقرر هذا الأخير فعل أي شيء لإيجاد المترجم المذنب الذي تَسبب بمطالبته بدفع فدية لإيقاف التسريب. وهنا تبدأ سلسلة من الأحداث المشوقة والمثيرة. 

4) إحالات ومعاني في فيلم المترجمون

يسائل الفيلم استغلال دور النشر للمترجمين من خلال فرض شروط قاسية. ويسلط الضوء على الظروف المختلفة التي تدفع المترجمين لقبول مثل تلك الشروط من خلال تقديم لمحة عن حياة بعض أولئك المترجمين. كما يتطرق لعدم مراعاة الجانب الإبداعي لترجمة الروايات وإعطاء الناشر الأولوية لربحه المادي. وأشار أيضا إلى تخليد الترجمة اسم مؤلفي الروايات بينما يبقى مترجم العمل نفسه طي الإهمال والنسيان وخاصة عند إسقاط اسمه من الصفحة الأولى.

وإضافةً إلى ذلك، أشار الفيلم إلى عدم تفهّم العميل طبيعة عمل المترجم عندما رفض إطْلاعهم على النص الأصلي كاملا وقرر إمدادهم به على دفعات. وبطبيعة الحال، يحتاج المترجم التحريري إلى قراءة النص كاملا لتفادي الترجمات الخاطئة المبنية على سوء الفهم. ويظهر عدم تفهم العميل طبيعة عمل المترجم أيضا في منعهم من الوصول إلى المراجع والإنترنت وعدم منحهم الوقت الكافي للمراجعة. 

وينتمي المترجمون في الفيلم إلى فئات عمرية مختلفة بشخصيات وخلفيات اجتماعية وظروف مادية متباينة. وهو ما يعكس بالفعل الفئات العمرية المختلفة التي تمتهن الترجمة في الواقع. فتجد الطالب يمارس الترجمة إلى جانب دراسته؛ والمرأة العاملة التي تختار العمل في مجال الترجمة من المنزل لتتمكن من رعاية أطفالها بنفسها؛ والموظف الذي يختار الترجمة ليكون عملا إضافيا لأن راتبه الأساسي لا يكفيه؛ والأستاذ المتقاعد الذي يقرر دخول هذا المجال لمواصلة عطائه…

 ويُظهر الفيلم لحظات يكون فيها المترجمون أعداءً لبعضهم. فعند تشكيك الناشر في نزاهتهم، أصبح كل واحد منهم يفكر في تبرئة نفسه والخروج من الورطة التي وجد نفسه مقحما فيها. وحينها يأخذ الناشر موقع المتفرج ليستغل انقسام المترجمين وتوترهم لصالحه. وقد تعكس هذه الصورة في الواقع حالة عدم اتفاق المترجمين المستقلين على جملة أمور مثل الحد الأدنى للسعر، وهو ما يستغله العميل لصالحه.

ولكن عندما اتفقوا على مواجهة جشع الناشر في الفيلم، استطاعوا ردعه والتصدي له في مشهد قد يحيل على تعاضد المترجمين في وجه الاستغلال. كما أن رفض أحد الحراس تمادي رب العمل في شططه تجاه المترجمين يمكن أن يرمز أيضا في هذا المشهد إلى الأطراف الثالثة التي قد تتدخل احتجاجا على ذلك الحيف. فعلى سبيل المثال، أوقف عدد من العملاء المباشرين في كندا العمل مع إحدى شركات الترجمة عندما بلغهم خبر احتيالها على المترجمين الذين رفعوا قضايا ضدها. 

كلمة أخيرة

ختاما، في عصرنا الذي أصبح قرية صغيرة تعتمد على الترجمة بشكل كبير في مجالات مختلفة، مازالت هناك الحاجة إلى تسليط صناع السينما الضوء على مهنة المترجم وطبيعتها ومختلف جوانبها وتحدياتها. كما أن الجمع بين اسم الوظيفة ودلالتها الصحيحة كفيلٌ بتبديد عدد من التصورات الخاطئة عن المترجم.

اقرأ أيضا: ما مميزات وظيفة المترجم؟

 


اترك تعليقاً

Your email address will not be published.